|
ضربة زاوية
وطني لبنان
21 / 11 / 2011
من هم ومن اين يأتون؟
فجأة سلطت الاضواء على الواردين من باحات رملية، حيث تعلم
غالبيتهم كرة القدم على ارضياتها، وواظبوا وتحملوا ظروفاً
معيشية صعبة، اشباعاً لرغبة، وانتصاراً لشغف خاص بهم.
في كل معاناتهم، كانوا يمنّون النفس بتقديم لمحات، كما النجوم
الذين يتابعونهم على شاشات التلفزة. فجأة خرجوا الى الواجهة،
وباتوا حديث الناس، بعدما وضعوا هذا البلد الصغير بمساحته، في
مصاف الكبار آسيوياً، وباتوا غير هيابين، ومتخصصين في اسقاط
الكبار.
من هم لاعبونا، ومن أي بيئة يتحدرون؟
من تراب لبنان، ومن الفقر والمعاناة. شباب يزاولون اللعبة
الجماعية الاصعب، في وقت تجاوزهم لاعبون في الدول المجاوة
بأشواط كبيرة.
يتحدر لاعبونا من بيئة الاحياء الشعبية، حيث كرة القدم متنفس
الرجولة. منهم من أصاب الاحتراف في الخارج، وبقي وفياً للأرزة
على صدره، وفي طليعتهم الكابتن رضا عنتر.
كان المشهد بديعاً في استاد الصداقة والسلام بنادي كاظمة، حيث
"كسر" لاعبونا كبرياء لاعبي الازرق الكويتي، بالفوز عليهم 1 –
0. وبعد ايام قليلة، ردوا الصاع للمارد الكوري الجنوبي،
وألحقوا به خسارة أولى في التصفيات.
لبنان لم يعد يتذيّل الترتيب في اي مجموعة تضمه. فارق الاصابات
ابعده عن المركز الاول لمصلحة كوريا الجنوبية. ووحدها حسابات "الغلا
غلا"، قد تبعده عن بلوغ الدور الرابع الحاسم.
لم نعد جسر عبور، بل رقماً صعباً، ومنافساً شرساً.
تصوروا ان تحديد موعد المباراة مع كوريا الجنوبية الثلثاء
الماضي ترك للشركة مالكة حقوق النقل التلفزيوني، فاختارت،
وباعتراف رئيسها الاقليمي، على شاشة المؤسسة اللبنانية للارسال،
توقيتاً غير مناسب (!) اقر رئيسها بالخطأ وقال انه راعى
الجمهور الكوري الجنوبي، في اعتماد الثانية والنصف موعداً
لتحريك ضربة البداية.
تصوروا ان وزير التربية والتعليم العالي، لم يرضَ بتعليق
الدروس، واصدر مذكرة ثم تنصل منها بلباقة، وترك الامر لنخوة
التلامذة!
لم يقتنع لاعبونا بالتعادل مع كوريا الجنوبية عشية المواجهة،
بل شددوا على الفوز، وأبلغوا الامر الى رئيس الاتحاد، وقد شعر
الاخير بعزيمتهم، اثناء تناوله طعام الغداء في فندقهم بالحمرا.
شبابنا جذبونا الى المدينة الرياضية، وقد هرع الرئيس ميشال
سليمان لنصرتهم ومعاضدتهم في الشوط الثاني الاصعب، ثم قبلهم
فرداً فرداً في نهاية المباراة.
عرق لاعبينا بلل ملابس الرئيس، وسقاها وقفة عز لبنانية غالية.
لم يخذل الجمهور لاعبيه، ورد اللاعبون بطريقة ولا أروع.
رئيس البلاد حضر بلا ربطة عنق مشجعاً، وأراد القول انه سمع
صرخة اللاعبين.
لقد رفعتم رأسنا عالياً، وها هي "الفلوس" تنزل عليكم كالمطر !
ويقيناً، تستحقون مال الدنيا، لكن "بيت القصيد" في جعل دولتنا
تؤمن بالرياضة، وقد لمسنا بداية مشجعة من الرؤساء الثلاثة،
بالانتصار لهويتنا الكروية.
سمع الجميع في قارة آسيا وخارجها "قلّن انك لبناني". وليدوي
حضورنا في تصفيات الدور الرابع الحاسمة في التأهل لنهائيات
المونديال. وكم هي جميلة المصادفة ان تكون مباريات المرحلة
الاخيرة لتصفيات الدور الثالث في 29 شباط، في "سنة كبيس"!
انها ايامك يا وطني كروياً، مهما شكك تافهو الفضائيات التافهة
بقوة رجالك كروياً، واصرار جهلة هذه الفضائيات على ربط ما تحقق
بالحظ.
يكفينا احترام "المارد الكوري"، اذ قال مدربه عشية المباراة،
ان تطوراً أصاب الكرة اللبنانية، والدليل احتلال المنتخب
اللبناني المركز الثاني.
لبنان ليس "بلد الشاورما" كما عيّر البعض المدير الفني
الالماني ثيو بوكر، محذرينه المجازفة في سمعته.
ارض الفقراء ومقلع الرجال. وطن الرحابنة وجبران والفوتبول.
وطني لبنان.
ناجي
شربل
|